وجهة خاطئة - لماذا تفشل المشاريع؟


 

مجال الأعمال هو عالم ديناميكي مليء بالتحديات، حيث النجاح والفشل يسلكان الطريق جنبًا إلى جنب، ويعد اختيار الوجهة أو المجال المناسب؛ قرارًا مصيريًا يؤثر بشكل كبير على نجاح المشروع أو فشله. 

   وفي الآونة الأخيرة خصوصًا، ارتفعت نسبة فشل الأعمال بشكل مهول، وذلك بسبب عدد المشاريع والأعمال الناشئة التي تفتقر المعرفة وأدوات التحليل المناسبة، مما دفع إلى حاجة بعض المشاريع لفهم أعمق للأسباب الكامنة وراء ذلك قبل دخولهم للسوق. ولكن ذلك لا يعني أن نسبة النجاح 100٪، فكما ذكرنا، إن الفشل والنجاح يصبحان مقرونيْن لأي طريق يسلكه رائد الأعمال. ففي محاور حديثنا اليوم سنذكر بعضًا من الأسباب المتعددة الأوجه؛ التي تؤدي إلى فشل المشاريع، ونلقي الضوء على العوامل الرئيسة التي تساهم في سقوطها، وسنبحث أيضًا عن تداعيات اختيار وجهات أو مجالات العمل الخاطئة. 

 


 ----------------------------------------------------------


   هناك العديد من الأسباب التي تساهم في فشل المشاريع فمنها أسباب داخلية، ومنها خارجية. فتشكل الكوارث الطبيعية كالعواصف والسيول أسبابًا خارجية، لكن وفقًا لموقع "Startup Cemetery" أو "مقبرة الشركات الناشئة" تكمن أهم أسباب فشل المشاريع في أربع، وهم:

 

أولًا: سوء الإدارة المالية.

منها قلة التمويل، فهو يسبب في تعرقل مسيرة العمل في المنتصف بسبب نفاد المال. ثم إن الإدارة المالية تعتبر كحجر الأساس في أي مشروع، إن سَلُم صلَح المشروع، وإن خابَ فسد.  

ثانيًا: ضعف القيادة والإدارة.

نجاح العمل يكمن في حسن القيادة والإدارة، فكفاءة الإدارة وحسنها يسمو بالعمل إلى درجات النجاح. واختيار الفريق هو سبب من أسباب نجاح القيادة، فالاختيار الخاطئ يخلق عقبة جديدة في تسيير العمل، فلذلك لكل رائد مسؤولية اختيار فريق عمله، فعليه أن يحسن الاختيار لكي لا تهتز هذه المسيرة.

ثالثًا: المنافسة الشديدة.

أسهم التقدم التقني في خلق بيئة شديدة التنافسية للأعمال، ولا سيما الناشئة منها. حيث وجب على جميع الشركات مواكبة هذا التقدم والبدء في مجال التجارة الإلكترونية والتحوّل الإلكتروني. فالفشل في مواكبة هذا التقدم يؤدي إلى ضعف إمكانية التنافس، ومن ثم نهاية هذا المشروع.

 رابعًا: قصور تحليل السوق وقلة الأبحاث.

التحليلات الشاملة للسوق وقياس مدى احتياجه للمنتجات أو الخدمات التي يوفرها المشروع مهمة قبل البدء في عمله، حيث أن الخطط الاستراتيجية تعتمد على هذه التحليلات. فالقصور في الأبحاث والتحليلات يوجّه العمل إلى وجهات خاطئة، وتوفير منتجات قد تكون غير مرغوبة ولا عليها طلب؛ فيسبب هذا ضعف التواجد في السوق، ينتج عنه مكافحة المشروع على البقاء بسبب المنافسة الشديدة، ومن ثم انهيار العمل.

 

إضافةً إلى الأسباب التي ذكرها موقع "مقبرة الشركات الناشئة"،

 خامسًا: الوجهات الخاطئة.

   تعد الوجهات الخاطئة أهم العوامل في فشل المشاريع. فالوجهات تُختصر في اتجاه الجيل، والمنطقة، والمجتمع، والقوانين واللوائح.

   فمثلًا تخيل أنك تقوم بافتتاح مطعمٍ في منطقة نائية، أو تقوم بابتكار وجبة أحد مكوناتها البروكلي في مجتمع لا يُحب البروكلي، أو أن تقوم بتصميم أزياء في منطقةٍ ما، وهذه الأزياء تخالف قوانين وعادات أهل هذه المنطقة. جميعها تُعتبر بعض الاتجاهات الخاطئة التي تقع بها المشاريع، والتي يجب أخذها من أوائل الاعتبارات عند القدوم لتنفيذ مشروعٍ ما. فعندما تُحسن اختيار وجهة مشروعك، تَكسب مُجتمعًا وأُمةً.

 

  لأوّل وهلة، قد توحي هذه الأسباب بأنها غير مترابطة، لكن في الحقيقة لكل سبب وجه مرتبط بالسبب الآخر؛ فلذلك ألقينا عليها لقب "متعددة الأوجه". وتكمن صعوبة ريادة الأعمال في هذا التعقيد، فلذا من أهم الصفات التي يجب تواجدها في رائد الأعمال هو المخاطرة. فلا يوجد عمل أو مشروع من غير مخاطرة، لكن بفهم هذه الأسباب وتفادي حصولها قد يرفع من نسبة النجاح.


 ----------------------------------------------------------


على الرغم من اختلاف أنواع المشاريع التنموية، إلا أن أساس المشاكل التي تتعرض لها يكاد أن يكون موحد، والسبب هو أننا نهدف في نهاية المشروع لتنمية وتطوير مجموعة من البشر، وبالتالي فإنّ عواطفهم، ومخاوفهم، ومعتقداتهم ستلعب دورًا كبيرًا في تعطيل المشروع، إذا لم يتم التعامل معها بشكل إنساني، ومهني، وعيناك نصب الهدف النهائي.

فعندما بحثنا عبر LinkedIn حول آراء وتوجيهات الخبراء للمشاريع، فقد نال اهتمامنا،

أهم 3 مخاطر قد تواجهكم في تأسيس وتنفيذ مشروع تنموي وكيف يمكن تفاديها:

 

-        المشكلة الأولى هي عدم جدية الإدارة في دعم المشروع:

 من الطبيعي وجود معارضين لمشروعك سواءً داخل المنظمة أو خارجها، فالبشر لا يحبون التغيير؛ لذلك هم بحاجة لمعرفة ما الفائدة التي ستعود عليهم من التغيير، وما العواقب المتوقعة من رفض هذا التغيير. فدون دعم الإدارة العليا في المنظمة، سيتعثر المشروع لامحاله.

 والحل بأن تتأكد كمدير للمشروع أن لديك تأييد من الإدارة العليا، وهنا تكمن أهمية الاتصال المباشر  بين الإدارة العليا وباقي الإدارات، والرسالة التي يجب أن يسمعها الجميع من القيادة هي: "نحن جادّون في تطبيق هذا المشروع، سواءً كنتم معنا أم لم تكونوا"؛ بالإضافة إلى مراقبة من هم ضد المشروع، والتعامل مع مخاوفهم ورفضهم بمهنية، والتأكد من عدم تأثيرهم على المشروع.


-        المشكلة الثانية هي أن مدير المشروع لا يعرف كيف يقول "لا":

 كما نعرف أن إدارة نطاق المشروع وحمايته مما يعرف بالـ (Scope Creeps) مهمة صعبة. والسيناريو الشائع هو عندما يحاول بعض الأفراد التدخل في نطاق المشروع، وإحداث تغييرات (من وجهة نظرهم)؛ لكسب مصالح جديدة يعتقدون أنها ستفيد على المدى الطويل، وكون المرونة والتعاون من أهم صفات مدير المشروع، فقد تخاف أن تصرح برأيك في التغييرات ناهيك عن رفضها!

والحل في معرفة أن دورك كمدير للمشروع لا يقتصر على التنفيذ فقط! عليك مسؤولية مهنية وأخلاقية في حماية نطاق المشروع، فمعيارك لقول "لا" للتدخل في مشروعك هو النجاحات التي حققتها سابقًا.

 إن التغيير في نطاق المشروع يرفع من التكلفة المادية، كذلك يؤدي لخروجه عن الأهداف التي وضع لها، وبالتالي يجب عليك التفكير مليًا والبحث والاستقصاء، وجمع الأدلة التي تؤيد الحاجة لتغيير النطاق، قبل أن تقبل طلبات التغيير.

 

-        وأخيرًا، لا تأخذ المشروع على محمل شخصي:

فالفقرات السابقة تأكّد على أهمية دفاعك عن مشروعك، ولكن هذا لا يعني التعلق عاطفيًا به! عندما نعمل في المشاريع التنموية تغمرنا العاطفة وهذا أمر جيد إذا لم يتجاوز الحد المهني، فنكون ضد من يعارضون أحد جوانب المشروع أو من يلفتون نظرنا لبعض الأخطاء في التنفيذ.

وهنا يجب أن تتذكر بأنه ليس مشروعك الشخصي! وأن الملاحظات بشأن المشروع يجب أن تكون دافع لاتخاذ القرارات المناسبة في تحسين أدائك، وأداء فريقك. فلا تغضب! وذكّر نفسك بأنك مدير للمشروع، مؤتمن على تحقيق أهدافه، ورعاية فريقه، وحسن إدارة مصادره، وإيصاله بحكمةٍ وصبر (ولا يخلو الأمر من كثير من الشغف من قبل الإدارة والمجتمع)، وبالتالي فمن حقهم أن يسألوك ويراجعوا جميع الإجراءات والنتائج معك، ومن بعدك. 

بالتأكيد هنالك مخاطر كثيرة قد تواجه أي مشروع تنموي، إنما هذه المخاطر هي الأسهل في الحل والأكثر تكرارًا، وقد تكون السبب الرئيسي في فشل المشروع؛ لأن الأطراف المعنية بالعملية التنموية تغفل عنها دائمًا.

 

القاعدة الثابتة في كل تغيير، أنه مصحوب بالعقبات والمشقة، حتى وإن كان تغييرًا للأفضل. وهذا لايعني التوقف عن التغيير للأفضل! إنما يعني الاستعداد الجيد للقيام بأدوارنا التنموية في مجتمعاتنا، دون كللٍ أو ملل. 


 ----------------------------------------------------------


كل شركة ناجحة يكون خلفها بداية صعبة، عقبات وأزمات، ولكن الشغف والحماس يجعلان هذه الشركات تكمل طريقها رغم الصعاب التي تواجهها، ويحوّلان الفشل لنقطة قوة، فمن ثم نجاحًا مبهرًا لها حتى يصبحوا من الأهم عالميًا.

ومنهم شركة "Mailchimp"  المتخصصة بتصميم صفحات الويب ومواقع التسوق الإلكترونية.

التي لم يكن طريقها إلى النجاح قصة معتادة كالشركات الناشئة المُمَوّلة التي اعتدنا على سماعها هذه الأيام. حيث أنهم لم يجمعوا أبدًا أي تمويل خارجي، وقرروا الحفاظ على أنفسهم مدى الحياة.

 

كانت بدايتها في عام 2001، حين أطلق Ben Chestnut و Dan Kurzius شركة استشارية لتصميم الويب تسمى مجموعة روكيت ساينس. وكمشروع جانبي، قاموا بتطوير أداة للتسويق عبر البريد الإلكتروني لعملائهم. ومع ذلك، فشلت أعمالهم الاستشارية، مما تركهم مع أصل واحد،  قابل للتطبيق فقط ألا وهو - أداة التسويق عبر البريد الإلكتروني - ، التي أطلقوا عليها اسم "Mailchimp " .

 

على الرغم من الصراعات الأولية ونقص التمويل، ظلّا Chestnut و Kurzius يركزان على تحسين ميزات Mailchimp وتجربة المستخدم. حيثُ آتى تفانيهم ثماره، حينَ أصبح "Mailchimp" مرادفًا للتميز في التسويق عبر البريد الإلكتروني. 

 

ومن الأسباب التي ساعدتهما على تميّز "Mailchimp" ،استراتيجيّات من الممكن القول أنها ذكاءً منهما أنهم كسبوها لصالحهم.

وبعض هذه الاستراتيجيات: 

١- قاما بالتركيز على شيء واحد، وهو قناة التسويق التي تناسبهما.

٢- اتخذا قرارات تجارية مدعومة بالبيانات.

٣- وثِقا في غرائزهما، واتبعا رؤيتهما، وقاما بتنمية الأعمال وفقًا لشروطهما الخاصة. 

وجعلت هذه الاستراتيجيات خِتام قصتهم يُختصر في جملة، كجملةً رُوِيَتْ في قصص أسطورية .

   

( واليوم، يخدم "Mailchimp" الملايين من العملاء في جميع أنحاء العالم) . 

 ----------------------------------------------------------


ومنهم شركة "الصفاء للأغذية"، الشركة المبهرة التي أنقذت نفسها من الإفلاس بخطة محكمة.

شركة  "الصفاء للدواجن" التي أصبح اسمها حاليًا "الصفاء للأغذية".

حيث أنها تأسست في ظروف اقتصادية صعبة جدًا، وعلى رغم هذه الظروف، نجحت في الحصول على رأس المال والخروج من أزمتها. 

ولكن لم تكمل الشركة خروجها من هذه الأزمة إلا وقد تعرضت للإفلاس ثانيةً. ولكن امتلاك الشركة إدارة متميزة قد أعانها على النهوض مجددًا، فقامت إدارتها بوضع استراتيجية أنقذتها من الإفلاس. وهذه الاستراتيجية هي " برنامج تحفيزي للموظفين" وينص على زيادة رواتبهم. على الرغم من أن هذه الاستراتيجية تعتبر مخاطرة كبيرة في ظل الأزمة وتناقص الأرباح، إلا أنها كانت خطة ناجحة ومحكمة، فقد رَفعت أرباح الشركة مجددًا وأعادت مكانتها في السوق. 


             

  (وحاليًا، شركة الصفاء من أكبر شركات الأغذية المحلية بالقيمة السوقية)

 ----------------------------------------------------------


ومنهم أيضًا شركة تعد اليوم أكبر شركة تجارة إلكترونية في العالم، ويعمل بها أكثر من 22 ألف موظف، في أكثر من 70 مدينة حول العالم، ألا وهي شركة "علي بابا".

"جاك ما" مؤسس ورئيس الشركة، يمثل مصدر إلهامًا لملايين الشباب حول العالم، ويدعو لمواجهة قسوة الظروف مهما ضاقت الأحوال، فقد حقق جاك نجاحًا عالميًا بمجرد جِدّه واجتهاده الشخصي.

بدأ انطلاقته حين أطلق موقعًا إلكترونيًا للبيانات وهو عبارة عن دليل للأعمال التجارية. وكان تحت مسمى "الصفحات الصينية" ولكنه لم يكن مشروعًا مثمرًا. 

ففكّر بطريقةٍ أخرى للنجاح، وذات يوم جمع أصدقائه ليكشف لهم عن فكرة لشركة جديدة.  

فوافق الجميع على المشروع وجمعوا 60 ألف دولار لإطلاق موقع "علي بابا". فمع تسميته بـ"علي بابا" كأنما قال " افتح يا سمسم" التي فتحت الأبواب إلى الكنوز المخبأة لـ"جاك ما"، ووصلت القيمة السوقية للموقع 467 مليار دولار ، ووصلت ثروة "جاك ما" الشخصية  إلى 40 مليار دولار، وفقًا لمؤشر بلومبرغ للمليارديرات.


(والآن، يُعد "جاك ما" شخصًا مُلهِمًا للكثير من الشباب حول العالم، ويستمع طلاب الجامعات إلى محاضراته بكل اهتمام وشغف).

 ----------------------------------------------------------





دعمًا لرواد الأعمال، تقدم المملكة العربية السعودية العديد من المبادرات التي توفّر مجموعة واسعة من الخدمات ووسائل الدعم لتمكين رواد الأعمال وأصحاب المنشآت الصغيرة والمتوسطة من تحويل أفكارهم إلى مشاريع ناجحة، وتساعدهم على خلق بيئات حاضنة لأعمالهم؛ وذلك لتشجيع وزيادة ريادة الأعمال في السعودية بصناعة جيل متمكّن عِلميًا وعَمليًا، وتحقيقًا لأحد ركائز رؤية 2030 ألا وهو الاقتصاد المزدهر. 

 

فمن أحد هذه المبادرات، الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة "منشآت"، فهي وكالة حكومية تكمن رؤيتها في أن يكون قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة ركيزة أساسية لتنمية الاقتصاد السعودي. حيث تقدم منشآت الكثير من الخدمات وآليات الدعم المجانية للشركات بأحجامها المختلفة، بما في ذلك خدمات التمويل، تسهيل الأعمال، مبادرات الدعم والتطوير من استشارات وبرامج التدريب، والوصول إلى الأسواق.  

 

ثم نصل إلى مبادرة أخرى باسم مركز "كود"، هو مبادرة أطلقتها وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات كمركز لريادة الأعمال الرقمية. فهو برنامج حكومي يهدف إلى تعزيز ثقافة ريادة الأعمال الرقمية ورفع مساهمة الاقتصاد الرقمي، وخلق فرص عمل جديدة بتوطين التقنية، بالإضافة إلى تطوير المهارات الرقمية لدى الشباب السعودي. يقدم مركز "كود" الكثير من الخدمات، فمنها: الإرشاد والتوجيه، الدعم التقني، خدمات التمويل، ومعامل النمذجة التي تتيح فرصة عمل النموذج الأولي للمشروع.

 

وغيرها الكثير والكثير من المبادرات التي لم نتطرق لها، كبرنامج صنع في السعودية، وأُسس، وجادة 30، والمركز السعودي للأعمال، ومنصة فرصة…إلى آخره. كل هذه المبادرات تهدف لتحقيق رؤيتنا 2030، فلها دور فعال في دفع التنويع الاقتصادي، والحد من فشل المشاريع ووجهاتها الخاطئة؛ وذلك بتطوير مجتمع قائم على المعرفة.



لسماع الحلقة على اليوتيوب:

https://youtu.be/TQ1Oh4cOyoQ?si=3TIGOkCKBoKSVAEW


تعليقات